سميح عاطف الزين

333

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

أزمان طويلة . فادع لي يا رسول اللّه أن يوفقني سبحانه وتعالى على ما عزمت عليه ، فأهدي بني قومي للإسلام ، وأنال على ذلك إن شاء اللّه الأجر والثواب . . ودعا له الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أن يوفقه ربّه تعالى ، وأن يسدد خطاه في ما أخذه على نفسه من عهد فيه الخير والرحمة ، ثم حذّره ألّا يفتضح أمره لقريش ما دام في مكة لئلا تقدم على أذيته . . ولكنّ الحمية أخذت أبا ذر فوقف مقسما باللّه العزيز ألّا يغادر أم القرى قبل أن يصرخنّ بهذا الدين على ملأ قريش . وتوجه من فوره حتى أتى البيت الحرام ، وهناك راح ينادي بأعلى صوته : « أشهد أن لا إله إلا اللّه ، وأشهد أن محمدا رسول اللّه » . وشقّت صرخته عنان السماء . وصعبت على قريش جرأة هذا الرجل الغريب ، وهو يقف صارخا وكأنه يتحداهم في عقر دارهم ، ويعلن كفره بآلهتهم ، فما كان منهم إلّا أن أسرعوا إليه يبادرونه بالوعيد والتهديد ، والسؤال عمّا دفعه إلى تلك الوقاحة التي يظهر ، وما شأنه مع قريش حتى يعاديها ويجلب عليه نقمتها . فقال لهم أبو ذر : أما شأني مع قريش فلا حاجة بكم لأن تسألوني عنه ، لأن جمعكم يعرف بأن قبيلتي غفار كانت تحالف قريشا ، وتدين لها بالسيادة على البيت العتيق . وأما الوقاحة التي تنعتونني بها ، فإنني في غنى عنها ، وهي تليق بأهل الكفر من أمثالكم ، فإنه قد بدا واضحا على وجوهكم أنكم لا تعرفون أية قيمة للحق ، ولا أي سبيل للرشاد . وما كاد أبو ذر يلفظ آخر كلمة مما يقوله لهم حتى هجموا عليه هجمة رجل واحد ، وراحوا يوسعونه بالضرب واللكم بالأيدي والأرجل ، حتى لم يعد يحتمل ، فخارت قواه ووقع مغشيا عليه .